الطلاق نهاية أم بداية؟

كاتب المقال: الإدارة
التاريخ: الأربعاء, يونيو 17, 2015 - 10:15

(أنت طالق) ..كلمة تنطلق في وقت عصيب..كلمة من عدة أحرف بسيطة تحمل رغم بساطتها معانٍ كثيرة : فهي نقطة فاصلة ..مفرق تحول..نهاية حياة وبداية أخرى ، إعلان صريح بفشل تجربة خاضها شريكان استنفذت من طاقتهما وأعمارهما ومشاعرهما الكثير..كلمة قد تحول حياة امرأة إلى سلسلة من العذابات اللامتناهية أو قد تكون حجر أساس لنجاحات وعطاءات وإنجازات لا حدود لها . كلمة عليك أن تدركي أبعادها..وتستوعبي تبعاتها.. وتواجهي عواقبها ، بنفس متجددة وعقل متزن وعزيمة ثابتة ليكون الطلاق عندئذٍ بداية وليس نهاية . لا يمكننا التقليل من شأن الآثار المترتبة على عملية الطلاق..فالطلاق محنة بكافة المقاييس حتى لو كانت المرأة هي الساعية إليه والراغبة فيه ، وهنا نحن لا نتناول المرأة التي لم تقدر الحياة الزوجية حق قدرها وكانت سبباً رئيسياً في تصاعد المشكلات وتأجج الصراعات وتداعي العلاقة حتى انتهى الأمر بالطلاق.. ..بل نعني بحديثنا تلك المرأة التي حاولت وسعت للإصلاح وتحملت وصبرت وعانت الكثير في سبيل استقرار حياتها الأسرية ، لكن الطلاق كان هو النهاية القدرية المحتومة لحياة امتلأت بالشقاء والتعاسة ، لعلنا نستطيع أن نضيء بهذه الكلمات ظلمات طريق فرضته الظروف والوقائع على صاحبته .
هل الطلاق أصبح ظاهرة ؟
إذا كان الطلاق أمراً شرعياً مباحا للضرورة..فقد أصبح في وقتنا المعاصر ظاهرة متفشية في مجتمعاتنا العربية الإسلامية ؛ حيث تشهد الدراسات والبيانات بزيادة معدلاته يوماً بعد يوم وعاماً بعد آخر ؛ ففي المملكة العربية السعودية على سبيل المثال ذكر تقرير رسمي أن حالة طلاق واحدة تحدث كل 40 دقيقة، بمعدل 33 حالة طلاق في اليوم، و12192 حالة في السنة ، أما الكويت فتشهد وصول نسبة الطلاق إلي ‏35%‏ أي يحدث طلاق كل ساعتين و‏45‏ دقيقة‏.‏ في حين يكشف الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري عن ارتفاع عدد المطلقات إلى مليون و‏495‏ ألف مطلقة ، بمعدل حالة طلاق كل ست دقائق و ‏240‏ حالة طلاق يومياً‏. ، وفي قطر أكدت دراسة حديثة وجود‏ 319‏ حالة طلاق مقابل ‏978‏ حالة زواج ، كما أوضحت الإحصاءات أن حالات الطلاق بمدينة الرباط المغربية تصل إلي ‏23%‏ من حالات الزواج ، وترتفع هذه النسبة قليلاً في مناطق أخري بالمغرب‏.‏ والأمر لا يختلف كثيراً في الإمارات أو المملكة الأردنية‏.
مما يعني أننا لسنا إزاء وضع استثنائي وخيار إجباري أخير يلجأ إليه الزوجان بعد فشل كل محاولات الإصلاح..ولكننا نواجه ظاهرة تكاد تنافس في معدلاتها معدلات الزواج الطبيعي..
وهذه الظاهرة لا يمكن تحديد أسبابها بوضوح لأنها تختلف باختلاف البيئة والنظام الاجتماعي في كل مكان..ولكنها تنحصر عادة في أسباب عدم التوافق بين الزوجين نتيجة سوء الاختيار..أو عدم التهيؤ المسبق لمسؤوليات وأعباء الحياة الاجتماعية بعد الزواج..كما يلعب تدخل الأهل دور بارز في انتشارها ، في حين يحتل انتشار المفاهيم المغلوطة عن الحياة الزوجية ودور المرأة والرجل وما بينهما من حقوق وواجبات ، والتي ساعدت في انتشارها بين الطبقات الاجتماعية المختلفة وسائل الإعلام ووسائط المعرفة والثقافة الحديثة..تحتل المكانة الأبرز في تداعي الحياة الاجتماعية وارتفاع معدلات الطلاق بنسب كبيرة..‏
وهنا علينا التوقف قليلاً للاقتراب من واقع المرأة المطلقة وكيفية تجاوزها لمحنة الطلاق..
كلمة مطلقة كلمة تحمل الكثير من الظلال المؤلمة بل والكئيبة التي تلاحق صاحبتها أينما حلت وارتحلت في مجتمعاتنا الشرقية ؛ فالعديد من الأسر ترى هذه الكلمة مرادفة لكلمة الفضيحة أو العار ، وتنظر لابنتها المطلقة -التي ظنوا أنهم أحاطوها بغضاء الستر والعفة بالزواج- بأنها إنسانة فاشلة تمزق عنها هذا الستر ، وأصبحت موضع شك وريبة في كل حركاتها وسكناتها..
وقد تواجه المطلقة الكثير من الصعوبات في حياتها بعد الطلاق من نظرات تعاطف وشفقة مبالغة تجعلها دائماً تشعر بالضعف والإحباط..أو نظرات شك وريبة وترقب لكونها -على حد زعمهم- قد أصبحت مصدر خطر يهدد أي بيت مستقر وحياة زوجية هانئة..كما قد تلاحقها في بعض الأحيان أحكام الاتهام والإدانة بأنها السبب الرئيسي في فشل حياتها الزوجية وأنها غير قادرة على بناء حياة جديدة..هذا بخلاف محاولات التدخل المستمرة التي يسعى أصحابها إلى الحصول على تفاصيل جديدة ، يقضون بها أوقاتهم في مجالس القيل والقال ، والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى التشهير والتعريض بحياة صاحبتها..
وهذا الواقع المؤلم الذي تواجهه المطلقة وتتحمل تبعاته النفسية والاجتماعية ، إما أن تستسلم له بكل ما فيه من سلبيات لتتحول حياتها للحظات طويلة من الألم والندم ومرارة اجترار الذكريات ، وإما أن تحاول مواجهته لتحصل على حقها في الحياة والبدء من جديد.. 

الطلاق نهاية أم بداية:


الطلاق قد يكون نهاية سعيدة لحياة شقية ومرهقة؟ وقد يكون بداية مؤلمة مؤقتة لحياة متجددة تمتلئ بالإنجازات والعطاء على كافة المستويات ، فكيف تتكيفين مع وضعك الجديد كمطلقة ؟؟
لابد من الوصول إلى درجة من التوافق النفسي تساعدك على الانطلاق في حياتك الجديدة ، وقد أوضحت الدراسات الميدانية أن الذين يعبرون هذه التجربة يمرون بثلاثة مراحل للوصول إلى التوافق النفسي: 
1. مرحلة الصدمة: حيث يعاني المطلقون من الاضطراب الوجداني والقلق بدرجة عالية.

2. مرحلة التوتر: يغلب عليها القلق والاكتئاب ، وتتضح آثارها في الإحساس بالاضطهاد والظلم والوحدة والاغتراب والانطواء والتشاؤم وضعف الثقة بالنفس ، وعدم الرضا عن الحياة.
3. مرحلة إعادة التوافق: وفيها ينخفض مستوى الاضطراب الوجداني، ويبدأ المطلقون إعادة النظر في مواقفهم في الحياة بصفة عامة ، والزواج بصفة خاصة.
ولعلك ترغبين في تجاوز المرحلتين الأولى والثانية لتبلغي الثالثة بأمان ، ولذا فلنحاول أن نقر معاً بعض المبادئ:
- أنت مطلقة وهذا لا يمثِّل أي حرج شرعي، فالطلاق مباحٌ في الإسلام، والرأي الأرجح بين الفقهاء أنه مباحٌ للضرورة..
- غيري نظرتك لذاتك: فلست ضحية تستحق الشفقة..ولست مجروحة مكلومة تتطلب على الدوام المساعدة..ولست متهمة مذنبة عليها درء الشبهات عن نفسها ، بل إنك مخلوق عاقل كرمه الله عز وجل ومن حقك أن تحددي مصيرك وتملكي زمام أمرك ، وإذا كانت هناك تجربة فاشلة في حياتك ؛ فهذا لا يعني اقتران الفشل بشخصك أو توقف الحياة وانتهاؤها على أعتاب تجربتك ، بل الأجدى أن تمنحي نفسك الفرصة لطرح آثار الفشل والبدء من جديد..
- تعاملي مع المشاعر المحيطة بتوازن..فلا تقابلي التعاطف بالحزن والضعف والإغراق في الشعور بالدونية..بل اعتبريه رسالات من الدعم المعنوي يقدمها إليك المقربون ، ولا تقابلي محاولات التدخل المعتدلة بالكراهية أو العدائية ، بل حاولي دوماً أن تثبتي للجميع أن لديك القوة الذاتية للثبات بعد التجربة. 
- تحاشى الدخول في تفاصيل تجربتك السابقة ، حتى ولو كان الأمر لتحسين صورتك ؛ حتى لا تتحول تفاصيل حياتك إلى طرائف تروى في المجالس ، ومضغة تلوكها الألسنة للتسلية وقضاء أوقات الفراغ ، كما أن الإغراق في تفاصيل الماضي لا يعني إلا العجز عن الحراك للمستقبل..
- قيمي موقفك ووضعك الجديد والمساحات المسموح لك بالحركة فيها في حدود الشرع والتقاليد الاجتماعية ، وتذكري أننا نخضع لاعتبارات مجتمعية قد نتفق مع بعضها وقد نختلف ، ولكننا في النهاية نخضع لها..فمن الأولى أن تضعي أنتِ القيود لنفسك قبل أن يطاردك بها الآخرون بدعوى أنك مطلقة ومطمع للآخرين..
- احذري الوقوع في أسر العزلة والإحساس بالحرمان العاطفي ، الذي قد يقودك إلى البحث عن علاقة عاطفية لملأ فراغ نفسك ، أو تعويض ما فاتك ولو كان هذا على حساب كرامتك وعفتك كامرأة..
- حاولي أن تنظري للطلاق على أنه بداية وليس نهاية .. ففشل الحياة الزوجية بين طرفين لا يعني أن يقع كل منهما فريسة الشعور بالفشل والإحباط ؛ لأن الفشل حدث في التوافق بينهما والانسجام وإقامة حياة مستقرة مشتركة ، وليس فشلاً مقترناً بشخص كل منهما ، موصوماً بحياته..
فلعل حياةً جديدة وأدواراً هامة تنتظرك : ابحثي عن المجال الأنسب لك ولظروفك سواء كان الدراسة..العمل..الالتحاق بمؤسسات المجتمع المدني ، من خلال الأعمال التطوعية الخيرية والمشاركة بالأنشطة الاجتماعية والثقافية والدعوية عبر المؤسسات أو عبر الإنترنت ..حددي مسؤولياتك القادمة وأدوارك الجديدة ولا تهابي خوضها لأن الاحتكاك بالواقع والقيام بأدوار متعددة هو خير وسيلة لتضميد جراحاتك السابقة..
- استخلصي إيجابيات التجربة لتكون عوناً لكِ على تخطيط حياتك الجديدة بصورة صحيحة ..فأنت تخوضين حياتك الآن بخبرات أفضل ونظرة أعمق من ذي قبل..
فالماضي يكون قوة دافعة إذا اعتبرناه درسًا تعلمناه ، ويصبح عائقًا إذا اعتبرناه ذكرى نعيش عليها ونجتر أحداثها..

همسة في أذن الزوج والزوجة:

إذا كنا قد عرضنا لمحاولات وحلول قد تتجاوز بها المطلقة الآثار المؤلمة للطلاق فتذكر وتذكري أن العلاقة الزوجية علاقة خاصة ورباط مقدس تتآلف عراها بمثياق إلهي وكلمة ربانية تجمع بين رجل وامرأة ؛ فلا يجوز أن يكون الطلاق أداة للهو والعبث يلوح به الرجل كلما تعكَّرت الأجواء بينه وبين زوجته ، أو تستخدمه الزوجة كورقة ضغط لنيل مطالبها وتحقيق رغباتها ؛ فذلك خروج عن جادة الصواب؛ لأن الصواب أن الطلاق شُرَع ليكون مخرجاً نهائياً بعد استنفاد جميع وسائل التفاهم والإصلاح والعتاب، وبعد تدخل الحكماء لإصلاح ذات البين من أهل الزوج أو الزوجة..
فلا تقدم عليه أيها الزوج ببساطة ، وإلا تكون قد هدمت بيتك بيديك وشردت أطفالاً لا ذنب لهم إلا أنهم أطفالك.
ولا تطلبيه سيدتي.. إلا إذا تعذر عيشك مع زوجك ، فأنت في مجتمع لا يرحم .
والطلاق إذا كان حلالاً إلا أنه أبغض الحلال. 
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق} وقال: {تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن}
وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم: ' إن إبليس ينصب عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه من الناس فأقربهم منه منزلة أعظمهم فتنة، فيأتي أحدهم فيقول: ما زلتُ به حتى زنى، فيقول إبليس: ما فعلت شيئًا سيتوب، ويقول آخر: ما زلتُ به حتى فرقت بينه وبين أهله، فيهنئه ويلتزمه ويقول نعم أنت، نعم أنت'

 

 

 

 

 

أ. شروق محمد 

سجل دخول أو إنشئ حساب جديد الأن لإضافة تعليق.