قلة حياء

كاتب المقال: الإدارة
التاريخ: السبت, يونيو 13, 2015 - 19:07

ليس من النادر في عصرنا أن تقع أعيننا على مشهد مخل أو صورة خارجة أو سلوكيات غير ملتزمة.. سواء كانت عبر الفضائيات المتناثرة أو من خلال بعض مواقع الإنترنت أو حتى في الشوارع والطرقات والحدائق العامة..
ولعل المتأمل يسأل نفسه هل تجرد أصحاب هذه الصور والمشاهد والسلوكيات من القيم.. هل تناسى أصحابها الأخلاق.. هل تحللت لديهم فضيلة الحياء.. فصارت كثوب مهترئ لا يكاد يستر أكثر مما يبدي..
العجيب أنك لو سمعت أحدهم أو إحداهن يتحدث في برنامج أو حديث خاص عن نفسه أو مشواره الفني (العريق) ، تجده يتحدث بجدية وصدق وإخلاص موضحاً كيف تلمس من الله التوفيق والعون حتى أبلغه هذا التوفيق الإلهي مبالغ العلا والنجاح..
وقد تتناثر عبر حديثه بعض الآيات والأحاديث النبوية ، دون استحياء ولا وجل ، وكأنه ليس هو الذي يرى في غير هذا الموضع فاسقاً.. مبتذلاً.. متفاحشاً ..
فهل كذب هؤلاء على أنفسهم حتى صدقوا كذبتهم ؟؟ أم تراهم يتصورون أنهم يتحدثون إلى أناسٍ لا عقول لهم ، عليهم أن يقبلوا ويتقبلوا كل ما يتناثر عبر أفواههم..
في رأيي أن المشكلة في هؤلاء وغيرهم أن القيمة الواحدة أصبح لديها أكثر من مفهوم وتصور ، بل لعلها ظاهرة عامة بأن كل منا أصبح له صوابه وخطؤه..حلاله وحرمه ..أصوله وفروعه..منطقه ورؤيته..فالقيمة الواحدة لم تعد واحدة في ذهن كل منا..
فمثلاً قيمة الحياء -وهي من أشد المفاهيم غموضاً والتباساً بالنسبة للكثيرين- ..قد يرى البعض أن الحياء شعور داخلي ذاتي لا يتعارض مع أن ترتدي المرأة ما تشاء وتتحدث كما تشاء ويصدر عنها ما يحلو من الحركات والايماءات ما دام هذا يخدم هدفاً دنيوياً تسعى له..
في الوقت الذي يرى فيه البعض الآخر أن التزام المرأة بالقيم الإسلامية المنضبطة ليس من الحياء في شيء ولكنه نوع من التشدد والتزمت الزائد الذي يحجر على حياة المرأة ويحول بينها وبين التطور والانفتاح على مناحي الحياة..
بينما يخلط آخرون بين الحياء وبين الخجل والتردد وضعف الثقة بالنفس فينقلب الحياء لصورة بغيضة مذمومة لدى الناس..في حين تقترن الثقة بالنفس والثبات بالجرأة والتحرر والبجاحة أحياناً..
ولعله غير بعيد ما شاع في بعض البلدان العربية من حوادث التحرش الجماعي بالنساء في الشارع والطرقات العامة ..وهنا نجد أن بعض الفتيات بدأن بالرد على هذا بتكوين مجموعات على موقع "الفيس بوك" بعنوان " احترم نفسك" والتي تلقي فيها الفتيات باللوم على الشباب في الاجتراء على هذه الأفعال..فما كان من الشباب إلا أن كونوا مجموعة أخرى رداً على مجموعة الفتيات عنوانها " إنتِ اللي احترمي نفسك" يشيرون فيها إلى ابتذال الفتيات وعدم التزامهن بالملابس اللائقة مما يثير الشباب ويدفعهم لمثل هذه الأفعال..
وهنا يبدو الصراع والتخبط وتضارب المفاهيم الذي جعل كل طرف لا يفهم واجباته ومسؤولياته ؛ ليلقي باللائمة على الطرف الآخر فراراً من الاعتراف بالخطأ..وربيما لو اتفق الجميع على منظومة واحدة للقيم ومفاهيم محددة يلتزم بها الشباب وتسير على نهجها الفتيات ، لتميز من بينهم المخالف والمسئ إذا اجترأ على خطئه أو أقدم على إسائته..
وهنا يصدق قول الحكيم "اصنع لهم معجماً"..
وقصة هذا القول أنه "ذات يوم سأل ملك حكيماً : كيف أصلح أمر الأمة ؟
قال الحكيم : اصنع لهم معجماً .
قال الملك متعجباً : أسألك عن الإصلاح فتكلمني عن المعاجم ؟؟!!
فرد الحكيم : إذا صنعت لهم معجماً وحفظوه : علم كل امرئ معنى ما يقول ، وأجاب عما يُسأل عنه ، وقَلَّ الخلاف ؛ لأنه إنما ينشأ عن الجهل ، وذهبت الشَّحنَاءُ لأنها بنتُ الخلاف ، وإذا أمرتهم بأمر لم يَتَأَوَّلوا فيه غيرَ ما تريد ، ولم يُنزِله كل امرئ منهم على هوى يراه من حيث يُوهمك الاستجابة لك .. وفرغوا من بعدُ للعمل على قلب رجل واحد " .
فما أحوجنا اليوم لمعجم القيم المنضبط الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؛ لنقف على حدود قيمنا وضوابط أخلاقنا من جديد..
ولنا مع خلق الحياء وقفة..نتبعها في المقال القادم

 

 

  أ. شروق محمد 

سجل دخول أو إنشئ حساب جديد الأن لإضافة تعليق.