صيام رمضان والصحة النفسية

كاتب المقال: الإدارة
التاريخ: الأربعاء, يونيو 3, 2015 - 16:31

مع قدوم شهر رمضان المبارك من كل عام يعيش العالم الإسلامي في مناخ روحي متميز يختلف عن بقية أوقات السنة .. ولعل الصيام في هذا الشهر هو أحد الأركان الهامة التي تمتد آثارها لتشمل كل نواحي حياة المسلمين في هذا الشهر.. وللصيام آثار إيجابية على الصحة العامة للجسد وعلى الصحة النفسية أيضا .. وفي هذا الموضوع إجابة على التساؤلات حول الجوانب النفسية لصوم رمضان كما نلاحظها ونرصدها من وجهة النظر النفسية .. كما أننا هنا نعرض أهمية التقرب الى الله بالصيام والعبادات ودور الأيمان بالله في الوقاية والعلاج من الأمراض النفسية والمشكلات الأخرى والوصول الى حالة من الطمأنينة والاستقرار والاتزان النفسي.

هل للصيام آثار نفسية إيجابية ؟؟؟
لعل أهم ما يميز شهر رمضان عن بقية العام هو الصيام الذي يعني الامتناع عن تناول الطعام والشراب وممارسة الشهوات خلال النهار ، بالاضافة الى الجو الروحاني الخاص الذي يميز هذا الشهر من المشاركة العامة بين الأفراد في تنظيم أوقاتهم خلال اليوم بين العبادة والعمل في فترات محددة وتخصيص أوقات موحدة يجتمعون فيها للإفطار ، وهذه المشاركة في حد ذاتها لها أثر إيجابي من الناحية النفسية على المرضى النفسيين الذين يعانون من العزلة ويشعرون ان أصابتهم بالاضطراب النفسي قد وضعت حاجزا بينهم وبين المحيطين بهم في الأسرة والمجتمع .. وشهر رمضان بما يتضمنه من نظام شامل يلقي بظلاله على الجميع حين يصومون خلال النهار ، وتتميز سلوكياتهم عموما بالالتزام بالعبادات ، ومحاولات التقرب الى الله. وتعم مظاهر التراحم بين الناس مما يبعث على الهدوء النفسي والخروج من دائرة الهموم النفسية المعتادة التي تمثل معاناة للمرضى النفسيين فيسهم هذا التغيير الإيجابي في حدوث تحسن في حياتهم النفسية .. وللصوم آثار إيجابية في تقوية الإرادة التي تعتبر نقطة ضعف في كل مرضى النفس ، كما ان الصوم هو تقرب الى الله يمنح أملا في الثواب ويساعد على التخلص من المشاعر السلبية المصاحبة للمرض النفسي ، كما ان الصبر الذي يتطلبه الامتناع عن تناول الطعام والشراب والممارسات الأخرى خلال النهار يسهم في مضاعفة قدرة المريض على الاحتمال مما يقوي مواجهته ومقاومته للأعراض المرضية .. ولهذه الأسباب فأننا في ممارسة الطب النفسي ننصح جميع المرضى بالصيام في رمضان ونلاحظ ان ذلك يؤدي الى تحسن حالتهم النفسية ...


صيام المرضى النفسيين:-
الاكتئاب النفسي هو مرض العصر الحالي ن وتبلغ نسبة الإصابة به 7% من سكان العالم حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية ، وأهم أعراض الاكتئاب الشعور باليأس والعزلة وتراجع الإرادة والشعور بالذنب والتفكير في الانتحار، والصوم بما يمنحه للصائم من أمل في ثواب الله يجدد الرجاء لديه في الخروج من دائرة اليأس كما ان المشاركة مع الآخرين في الصيام والعبادات والأعمال الصالحة خلال رمضان يتضمن نهاية العزلة التي يفرضها الاكتئاب على المريض ، وممارسة العبادات مثل الانتظام في ذكر الله وانتظار العلاج بعد العلاج في هذا الشهر تتضمن التوبة وتقاوم مشاعر الآثم وتبعد الأذهان عن التفكير في أذاء النفس بعد ان يشعر الشخص بقبول النفس والتفاؤل والأمل في مواجهة أعراض الاكتئاب ..
أما القلق :- فانه سمة من سمات عصرنا الحالي ، وتقدر حالات القلق المرضي بنسبة 30-40 % في بعض المجتمعات ، والقلق ينشأ من الانشغال بهموم الحياة وتوقع الأسوأ والخوف على المال وابناء والصحة ، وشعور الاطمئنان المصاحب لصيام رمضان وذكر الله بصورة متزايدة خلال رمضان فيه أيضا راحة نفسية تسهم في التخلص من مشاعر القلق والتوتر

والوساوس القهرية :-
يعاني منها عدد كبير من الناس على عكس الانطباع بأنها حالات فردية نادرة فالنسبة التي تقدرها الإحصائيات لحالات والوسواس القهري تصل الى 3 % مما يعني ملايين الحالات في المجتمع ن وتكون الوساوس في صورة تكرار بعض الأفعال بدافع الشك المرضى مثل وساوس النظافة الذي يتضمن تكرار الاغتسال للتخلص من وهم القذارة والتلوث ، وهناك الأفكار الوسواسية حول أمور دينية أو جنسية أو أفكار سخيفة تتسلط على المرضى ولا يكون بوسعهم التخلص منها ويسهم الصوم في تقوية إرادة هؤلاء المرضى ، واستبدال اهتمامهم بهذه الأوهام ليحل محلها الانشغال بالعبادات وممارسة طقوس الصيام والصلوات والذكر مما يعطي دفعة داخلية تساعد على التغلب على تسلط الوساوس المرضية ..


الصيام والحالة النفسية :-
القاعدة الطبية المعروفة التي تؤكد ان الوقاية أفضل واجدي من العلاج تنطبق تماما في حالة الأمراض النفسية ، فقد ثبت لنا من خلال الملاحظة والبحث في مجال الطب النفسي ان الاشخاص الذين يتمتعون بشخصية متزنة ولديهم وازع ديني قوي ، ويلتزمون بأداء العبادات وروح الدين في تعاملهم هم غالبا أقل إصابة بالاضطرابات النفسية ، وهم أكثر تحسنا واستجابة للعلاج عند الإصابة بأي مريض نفسي والغريب في ذلك ان بعض هذه الدراسات تم أجراؤها في الغرب حيث ذكرت نتائج هذه الأحداث ان الأيمان القوي بالله والانتظام في العبادات لدى بعض المرضى النفسيين كان عاملا مساعدا على سرعة شفائهم واستجابتهم للعلاج بصورة أفضل من مرضى آخرين يعانون من حالات مشابهة ، والأغرب من ذلك ان دراسات أجريت لمقارنة نتائج العلاج في مرضى القلب والسرطان والأمراض المزمنة أفادت نتائجها بأن التحسن في المرضى الملتزمين بتعاليم الدين الذين يتمتعون بايمان قوي بالله كان ملحوظا بنسبة تفوق غيرهم ن وقد ذكرت هذه الأبحاث ان شعور الطمأنينة النفسية المصاحب للأيمان بالله له علاقة بقوة جهاز المناعة الداخلي الذي يقوم بدور حاسم في مقاومة الأمراض.. كلمة أخير أتوجه بها إليك- عزيزي القارئ - فأمامنا فرصة ذهبية لتحقيق مكاسب كثيرة في هذا الشهر الكريم .. فالصيام وذكر الله في نهار رمضان والتقرب الى الله بالعبادات في هذا الشهر من الأمور الإيجابية التي تنعكس على الصحة النفسية للجميع .. والفرصة كبيرة أمام إخواننا ممن يعانون من الاضطرابات النفسية لتدعيم تحسن حالتهم ومساعدتهم في الخروج من المعاناة النفسية .. كما أن الفرصة الذهبية هي من نصيب إخواننا الذي هم أسرى لعادة التدخين التي تهدد صحتهم ويمكن أن تؤدي بحياتهم وللذين وقعوا في مأزق الادمان على المواد المخدرة .. كل هؤلاء يمكنهم في هذا الموسم بالذات الاستفادة من هذه الفرصة في شهر رمضان الذي استقبلناه ونعيش أيامه ولياليه في جو روحاني رائع .. أعاده الله على الجميع بالخير والبركات .. والصحة النفسية الدائمة للجميع وكل عام وانتم بخير
تقوية الإرادة سلاح فعال في مواجهة الاكتئاب والقلق والوساوس المرضية .. والإقلاع عن التدخين والإدمان

 

د. لطفي الشربيني

المصدر:أكاديمية علم النفس

سجل دخول أو إنشئ حساب جديد الأن لإضافة تعليق.